صديق الحسيني القنوجي البخاري
109
فتح البيان في مقاصد القرآن
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً أي وسعت رحمتك كل شيء ، وعلمك كل شيء ، وتقديم الرحمة على العلم لأنها المقصودة بالذات ههنا ، قاله البيضاوي وأبو السعود ، لأن المقام مقام الاستغفار ، وإلا فالعلم متقدم ذاتا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا أي أوقعوا التوبة عن الذنوب ، أو عن الشرك وإن كان عليهم ذنوب . وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وهو دين الإسلام وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي احفظهم منه واجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة ، وتتم نعمتك فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ، ولا يبدل القول لديك ، إن كان يجوز أن تفعل ما تشاء ، وأن الخلق عبيدك . رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة ، معطوف على قوله قهم ووسط الجملة الندائية لقصد المبالغة بالتكرير ، ووصف جنات عدن بأنها هي الَّتِي وَعَدْتَهُمْ إياها وَ أدخل مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ المراد بالصلاح هنا الإيمان باللّه والعمل بما شرعه اللّه ، فمن فعل ذلك فقد صلح لدخول الجنة ، ويجوز عطف ومن صلح على الضمير في وعدتهم ، أي ووعدت من صلح والأولى عطفه على الضمير الأول في وأدخلهم ، لأن الدعاء لهم بالادخال عليه صريح وعلى الثاني ضمني . والمعنى ساو بينهم ليتم سرورهم ، قرأ الجمهور بفتح اللام من صلح ، وذرياتهم على الجمع ، وقرأ ابن أبي عبلة بضم اللام ، وقرأ عيسى بن عمر على الإفراد إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة . وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ يقال : وقاه يقيه وقاية أي حفظه والمعنى احفظهم عن العقوبات أو جزاء السيئات على تقدير مضاف محذوف ، قال قتادة : وقهم ما يسوؤهم من العذاب ، وهذا دعاء يتناول عذاب الجحيم ، وعذاب موقف القيامة ، والحساب والسؤال ، وقوله : وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ مقصور على إزالة عذاب النار فيكون تعميما بعد تخصيص ، أو الأول دعاء للأصول ، والثاني للفروع ، والضمير راجع للمعطوف وهو الآباء والأزواج والذرية ، أفاده أبو السعود . وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة ، والتنوين عوض عن جملة غير موجودة في الكلام ، بل متصيدة من السياق ، وتقديرها يوم إذ تدخل من تشاء الجنة ومن تشاء النار ، والمسببة عن السيئات ، وهو يوم القيامة ، وقيل : التقدير يوم إذ تؤاخذ بها ، وجواب من فَقَدْ رَحِمْتَهُ من عذابك وأدخلته جنتك وَذلِكَ أي ما تقدم من إدخالهم الجنات ، ووقايتهم السيئات . هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر الذي لا ظفر مثله ، والنجاة التي لا تساويها نجاة ، حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع ، وبأفعال حقيرة ملكا لا تصل